ابن قتيبة الدينوري

553

الشعر والشعراء

تلك الفيافي ويكون مع الوحش لا يعقل ولا يفهم ، إلا أن يذكر له ليلى فيبكى وينشد أشعارا يقولها فيها ، قال : فرفعت الستر بيني وبينها ، فإذا شقّة قمر لم تر عيني مثلها قطَّ ، فبكت وانتحبت ، حتى ظننت - واللَّه - أن قلبها قد انصدع ، فقلت : أيّتها المرأة ، أما تتّقين اللَّه ؟ فو اللَّه ما قلت بأسا ! فمكثت طويلا على تلك الحال من البكاء والنحيب ، ثم قالت : ألا ليت شعري والخطوب كثيرة * متى رحل قيس مستقلّ فراجع بنفسي من لا يستقلّ برحله * ومن هو إن لم يحفظ اللَّه ضائع ثم بكت حتى غشى عليها ، فلما أفاقت قلت : ومن أنت يا أمة اللَّه ؟ قالت : أنا ليلى المشؤومة عليه غير المؤاسية له ! فما رأيت ( 1 ) مثل حزنها عليه وجزعها ، ولا مثل وجدها . 989 * وكان أبو المجنون ورهطه أتوا أبا ليلى وأهلها ، وسألوهم بالرّحم ، وعطفوا عليهم ( 2 ) ، وأخبروهم بما ابتلى به ، فأبى أبو ليلى ، وحلف ألا يزوّجها إيّاه أبدا ، فقال الناس لأبى المجنون : لو خرجت به إلى مكة فعاذ بالبيت ودعا اللَّه رجونا أن ينساها أو يعافيه اللَّه مما بتلى به ، فحجّ ، فبينما هو يمشى بمنى وأبوه معه قد أخذ بيده يريد الجمار ، نادى مناد من تلك الخيام : يا ليلى ! فخرّ مغشيّا عليه ، واجتمع عليه الناس وضجّوا ونضحوا عليه من الماء ، وأبوه يبكى عند رأسه ، ثم أفاق وهو مصفرّ لونه متغيّر حاله ، فأنشأ يقول : وداع دعا إذا نحن بالخيف من منى * فهيّج أحزان الفؤاد وما يدرى ( 3 ) دعا باسم ليلى غيرها فكأنّما * أطار بليلى طائرا كان في صدري

--> ( 1 ) س ف « قال : فو اللَّه ما رأيت » . ( 2 ) كذا في أكثر الأصول . ويحتاج إلى تكلف في تأويل « عطفوا » وفى ه « وعظموا عليهم » وهى أقرب إلى الوضوح . ( 3 ) في ب « فهيج أشواق الفؤاد » .